فخر الدين الرازي

160

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد ، قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : * ( فذكر إنما أنت مذكر ) * وتذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك ، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه ، وبيان أنه إنما بعث لذلك دون غيره ، فلهذا قال : * ( إنما أنت مذكر ) * . * ( لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ) * . قال صاحب " الكشاف " : * ( بمصيطر ) * بمسلط ، كقوله : * ( وما أنت عليهم بجبار ) * ( ق : 45 ) وقوله : * ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) * ( يونس : 99 ) وقيل : هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم ، والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير ، فأما أن تكون مسلطاً عليهم حتى تقتلهم ، أو تكرههم على الإيمان فلا ، قالوا : ثم نسختها آية القتال ، هذا قول جميع المفسرين ، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله : * ( أم هم المصيطرون ) * ( الطور : 37 ) . أما قوله تعالى : * ( إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيْعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الاَْكْبَرَ ) * . ففيه مسائل . المسألة الأولى : في الآية قولان : أحدهما : أنه استثناء حقيقي ، وعلى هذا التقدير هذا الاستثناء ، استثناء عماذا ؟ فيه احتمالان الأول : أن يقال التقدير : فذكر إلا من تولى وكفر والثاني : أنه استثناء عن الضمير في * ( عليهم ) * ( الغاشية : 22 ) والتقدير : لست عليهم بمسيطر إلا من تولى . واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ مأموراً بالقتال وجوابه : لعل المراد أنك لا تصبر مسلطاً إلا على من تولى القول الثاني : أنه استثناء منقطع عما قبله ، كما تقول في الكلام : قعدنا نتذكر العلم ، إلا أن كثيراً من الناس لا يرغب ، فكذا ههنا التقدير لست بمسؤول عليهم ، لكن من تولى منهم فإن الله يعذبه العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم ، قالوا وعلامة كون الاستثناء منقطعاً حسن دخول أن في المستثني ، وإذا كان الاستثناء متصلاً لم يحسن ذلك ، ألا ترى أنك تقول : عندي مائتان إلا درهماً ، فلا تدخل عليه أن ، وههنا يحسن أن ، فإنك تقول : إلا أن من تولى وكفر فيعذبه الله . المسألة الثانية : قرىء : ( ألا من تولى ) على التنبيه ، وفي قراءة ابن مسعود : ( فإنه يعذبه ) . المسألة الثالثة : إنما سماه العذاب الأكبر لوجوه أحدها : أنه قد بلغ حد عذاب الكفر وهو الأكبر ، لأن ما عداه من عذاب الفسق دونه ، ولهذا قال تعالى : * ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) * ( السجدة : 21 ) ، وثانيها : هو العذاب في الدرك الأسفل في النار وثالثها : أنه قد